منتدى تراتيل شاعر

منتدى تراتيل شاعر (http://www.omssyat.ps/index.php)
-   النفحات الرمضانية (http://www.omssyat.ps/forumdisplay.php?f=22)
-   -   طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة التوبة (http://www.omssyat.ps/showthread.php?t=551)

السمو 02-08-2026 05:40 AM

طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة التوبة
 
مقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:

تتابعت دروس «منازل السائرين إلى الله»؛ لتُعيد القلوب إلى سَيْرها الأول، وتضع العبد على الطريق في سفره الأعظم إلى ربه سبحانه، وبعد أن تحدَّثنا في المقالات السابقة عن منزلة المحاسبة وأركانها، وعن طبيعة النفس وطرائق علاجها، نصل اليوم إلى أشرف المنازل، وأعظمها نفعًا، وألزَمها للعبد طول حياته: منزلة التوبة.



هذه المنزلة - كما يقرِّر العلماء - ليست مرحلة يُمضيها العبد ثم يتجاوزها، بل هي: أول المنازل، ووسطها، وآخرها، لا يَنفَكُّ عنها السائر حتى يلقى ربَّه؛ لأنها سبيل النجاة، وجوهر العبودية، وميزان العبد في الدنيا والآخرة.



ومع أن التوبة كلمةٌ مألوفةٌ شائعة، إلا أن حقائقها العميقة - كما تَكشِفها النصوص وتجارب السلف - تكاد تكون غائبةً عن كثيرٍ من النفوس، في زمنٍ كثُر فيه الغرورُ، وضَعُف فيه الخوفُ من سوء الخاتمة، واستقرَّت في القلوب أمثلةٌ مقلوبة تجعل أمنَ العصاة أشدَّ من خوف الأولياء!



حقيقة التوبة وموقعها في طريق السائرين إلى الله:

التوبة عند أهل العلم ليست انتقالًا بين معصية وطاعة فحسبُ، بل هي رجوعٌ كامل للعبد إلى ربه، وخلعٌ لثوب الغفلة، وانكسارٌ أمام جلال الله، واعترافٌ بالقصور مهما كثُرت الأعمال.



وتُفتتح منزلة التوبة بحقيقة لا مفرَّ منها: «كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ»؛ أخرجه أحمد (13049)، والترمذي (2499).



هذا تقريرٌ نبوي قاطع، الذنبُ ملازمٌ لابن آدم، مهما بلغ علمُه أو وَرعُه، ليس المقصود تبرير الذنب، بل فضْح وَهْمِ العِصمة الذي يقع فيه بعضُ الناس؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ»؛ أخرجه مسلم (2749).



هذا الحديث يؤسِّس لقاعدة خطيرة: المشكلة ليست في وجود الذنب، بل في غياب التوبة.



لماذا يحتاج العبد إلى التوبة دائمًا؟


لأن الإنسان محاطٌ بخصومٍ ثلاثة:

الشيطان: عدوٌّ قديم، صريح، لا ينسى وعده: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [الحجر: 39، 40].



النفس الأمّارة بالسوء: عدوٌّ داخلي، قد يكون أشدَّ من الشيطان؛ لأنها "معك دائمًا".



شياطين الإنس والجن: محيطٌ اجتماعي وإعلامي وضغوطٌ لا تنقطع.



اجتمع هؤلاء كلُّهم على شيء واحد: إهلاك الإنسان، فكيف ينجو بلا توبة تتجدد كلَّ يوم؟



مَشهد التوبة في ضوء سُنَّة الحياة:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185]، إن العبودية لا تستقيم إلا بمعرفة طبيعة الدنيا، فالتوبة ليست مجرَّد رجوعٍ من ذنبٍ، بل استيقاظ من خداع الدنيا.



الخوف من سوء الخاتمة: قلب التوبة ورُوحها:

إن العبد كلما قوِي إيمانُه زاد خوفُه، وكلما صفا ورعُه اشتدَّ حياؤه من الله، فإذا رأيتَ العصاة يمشون في الأرض بأمانٍ من غير خوف، فاعلَم أن هذا أعظم البلاء.



لماذا كان السلف يرتعدون من ذكر الموت؟

لأنهم علموا أنَّ العمل مهما حَسُن، فإنه لا يُقبَل إلا برحمة الله، هذا هو الفارق بين المؤمن والمغرور: المؤمن يعمل ولا يرى عملَه، والمغرور لا يَعمَل ويرى نفسَه شيئًا؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعْمالًا هي أدَقُّ في أعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إنْ كُنَّا لَنَعُدُّها علَى عَهْدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ المُوبِقاتِ»؛ أخرجه البخاري (6492).



التوبة والعبودية: الوجه الآخر للحقيقة:

التوبة طريقةٌ لرؤية النفس على حقيقتها، وإن العبودية هي أشرف مقام يصل إليه الإنسان، والعبد كلما حقق العبودية، انكسَر قلبُه، وشعَر بفقره، ورأى تقصيره، ولم يُعجب بما يفعل، ولم يَحتقر أحدًا، ولذلك قال تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الحجرات: 17].



ليست الطاعة ملكك، ولا التوبة صنعك، بل كلها منَّة وفضلٌ.



آفتان تَهدِمان التوبة:

الإعجاب بالطاعة: هذه آفة خفيَّة، يُبتلى بها مَن يَعمَل، يظن أنه بلغ شيئًا، فيتهاوَن، ثم يترفَّع على غيره.



تعيير الناس بالذنوب: وهذه من أخطر آفات الطريق، ووعيدها: ربما تُبتلى بالذنب الذي عيَّرت به غيرك، أو تُعاقَب بمثله، أو تُحرَم التوبة منه، لذا فإن التوبة الصحيحة لا تجتمع مع احتقار أحدٍ.



التوبة ليست موسمية:

كثير من الناس يظنون أن التوبة "فترة نشاط"، أو "موسم"، خاصة في رمضان أو بعد حدث مؤثرٍ، لكن الحقيقة: التوبة سيرٌ مستمر، لا علاقة له بالمواسم.



بل إن الفتور الذي يُصيب كثيرًا من الملتزمين سببه: ضعف المحاسبة، غياب الخوف الصادق، فِقدان معنى العبودية، طول الأمل، إعجاب المرء بنفسه، ولهذا قال ابن القيم: «القلبُ في سَيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبةُ رأسه، والخوف والرجاء جناحاه».



أنواع النفوس وصلتها بالتوبة:

النفس الأمَّارة بالسوء: أصل الشرور لا تُطيق التزكية إلا بقهْر المجاهدة.



النفس اللوَّامة: مرحلة الصحوة، تعاتب، لكن قد تَنتكس.



النفس المطمئنة: وليست هي المطمئنة بالغفلة، بل المطمئنة: برحمة الله، وبصدق السعي، وبالرجوع الدائم، دون غرورٍ، ولا أمنٍ مِن مكر الله، فإن الاطمئنان الذي يَمنع التوبة مَهلكةٌ، والاطمئنان الذي يولِّده اليقين طُمأنينةٌ إيمانية.



خاتمة:

منزلة التوبة ليست موضوعًا وعظيًّا عابرًا، ولا مجرَّد فكرة أخلاقية جميلة، بل هي بداية الطريق ووسطه ونهايته، وهي جِماع العبودية، ورُوح الإيمان، وميزان القلوب يوم القيامة.



إن أعظم ما يتعلَّمه العبد من هذه المنزلة أن الذنب لا يُبعدك ما دمتَ تتوب، والطاعة لا تَنفَعك ما دمت تُعجَب بها، والتوبة لا تُقبل إلا إن كانت مقترنة بالصدق والإخلاص، والخوف لا يُثمر ما لم يُرافقه رجاءٌ، ومن ثَم فالقلبُ في طريقه إلى الله لا يقوم على قدَميه إلا بهذه المعاني.



نسأل الله أن يَجعلنا من التوَّابين، وأن يَرزُقنا خوفًا صادقًا، وقلوبًا مُنكسرة بين يدي الله عز وجل، ونفوسًا مُطمئنة بذكره، والحمد لله ربِّ العالمين.


الساعة الآن 10:15 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd Trans
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010